فصل: ذكر قسمة الأقاليم على الكواكب السبعة الخمسة والنيرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التنبيه والإشراف (نسخة منقحة)



.ذكر قسمة الأقاليم على الكواكب السبعة الخمسة والنيرين:

قسموا هذه الأقاليم بين الكواكب السبعة على قدر تواليها وتتابعها في الفلك.
فالإقليم الأول لزحل وهو كيوان بالفارسية له من البروج الجدي والدلو الإقليم الثاني للمشتري وهو بالفارسية أورمزد له من البروج القوس والحوت.
الإقليم الثالث للمريخ وهو بالفارسية بهرام له من البروج الحمل والعقرب. الإقليم الرابع للشمس وهو بالفارسية خرشاد ومن أسمائها آقتاب لها من البروج الأسد.
الإقليم الخامس للزهرة وهي بالفارسية أناهيد لها من البروج الثور والميزان.
الإقليم السادس لعطارد وهو بالفارسية تير له من البروج الجوزاء والسنبلة.
الإقليم السابع للقمر وهو بالفارسية ماه له من البروج السرطان، واسم الإقليم بالفارسية كشور واسم الفلك إسبهر وذلك بالفارسية الأولى وبهذه الفارسية حايدان قال المسعودي: وفيما حكيناه تنازع بين حكماء الأمم من الفرس واليونانيين والروم والهند والكلدانيين وغيرهم والأشهر ما ذكرناه وقد أتينا على شرح ذلك فيما سلف من كتبنا، وكذلك ما تنازعوا فيه من اشتراك البروج الاثني عشر في الأقاليم السبعة، وخاصة الكواكب السبعة في الآراء والملل والنواحي والآفاق وغير ذلك.
قال المسعودي: ونحن ذاكرون الإقليم الرابع وما بان به عن سائر الأقاليم وجلالة صقعه وشرف محله إذ كان به مولدنا وفه منشؤنا وكنا أولى الناس بتقريظه والإبانة عن شرفه وفضله وإن كان ذلك أشهر من أن يحتاج فيه إلى إطناب ولا يحويه لعظمه كتاب.

.ذكر الإقليم الرابع:

ووصفه وفضله على سائر الأقاليم، وما خص به ساكنوه من الفضائل التي باينوا بها سكان غيره منها وما اتصل بذلك من الكلام في عروض البلدان وأطوالها والأهوية والترب والمياه وتأثيراتها وغير ذلك.
الإقليم الرابع يضاف إلى بابل ويعرف بها وكان اسمه بالكلدانية وهي السريانية خنيرث وبه كانت تسميه جميع طبقات الفرس، وكانت بابل تسمى بالفارسية والنبطية بابيل ومن حكماء الفرس والتبط من يذهب إلى أنها سميت بهذا الاسم اشتقاقاً من اسم المشتري وهو بلغتهم الأولى بيل لتوليه هذا الإقليم ووقوعه في قسمته وحدود هذا الإقليم الشريف المفضل على سائر الأقاليم مما يلي أرض الهند الديبل ومما يلي الحجاز الثعلبية من طريق العراق إلى الحجاز ومما يلي الشأم نصيبين ومما يلي خراسان نهر بلخ، وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب ما قيل في حدوده أيضاً عند ذكرنا الأقاليم فعلى هذا التحديد قد دخل في هذا الإقليم ما دون النهر من خراسان والجبال كلها من الماهات وغيرها والعراق بأسره وغير ذلك، ولم يعرف ما حواه هذا الإقليم من ذلك أجمع إلا ببابل لفضل موضعها وجلالة صقعها لأن ذوي المعرفة من الناس إنما ينسبون الشيء إلى الأفضل المشهور ولولا أن بابل كذلك ما نسبوا هذا الإقليم مع سعة أرضه وجلالة ما حوى من البلدان إليه، وهذا الإقليم وسط الأقاليم السبعة وأعدها وأفضلها وبلد العراق وسطه فهو شرف الأرض وصفوتها؛ أعدها غذاء وأصفاه هواء متوسط بين إفراط الحر والبرد وموضعه الموضع الذي ينقسم فيه الزمان أربعة أقسام فلا يخرج ساكنوه من شتاء إلى صيف حتى يمر بهم فصل الربيع ولا من صيف إلى شتاء حتى يمر بهم فصل الخريف، ولما ذكرنا من توسطه كانت ملوك سوالف الأمم تحله إذ كان نسبة الملك إلى المملكة التي هو عليها القلب إلى البدن الذي هو فيه فكما كان الله عز وجل بلطيف حكمته لما خلق القلب أشرف الأعضاء أحله من البدن أوسطه كانت هذه سبيل الملك فيما يسكنه من مملكته وكانت قدماء الملوك تقول الملك الأعظم مركز لدائرة ملكه بعده من محيطها بعد واحد وتد مركوز وعلم منشور منه يستمد التدبير، وإليه ترد الأمور. ولذلك يقال أن الملك الأعظم والمدبر الأكبر ينبغي أن يكون منزله الواسطة من هذا الإقليم وهو الرابع، والعراق أشرف المواضع التي اختارتها ملوك الأمم من النماردة وهم ملوك السريانيين الذي تسميهم العرب النبط ثم ملوك الفرس على طبقاتهم من الفرس الأولى إلى الساسانية وهم الأكاسرة وهي حيث تلتقي دجلة والفرات وما قرب من ذلك، وهي من السواد البقعة التي حدها الزابي فوق سر من رأى مما يلي السن وتكريت وناحية حلوان مما يلي الجبل وهيت مما يلي الفرات والشأم وواسط من أسفل دجلة والكوفة من سقي الفرات إلى بهندف وبادرايا وباكسايا وهي النبطية ترقف من أرض جوخي، وهذه الأرض هي لب إيرانشهر التي تفانت عليها ملوك الأمم فكان اختيارهم بفضل آرائهم؛ المصيف بالجبال ليسلموا من سمائم العراق وكثرة ذبابه وهوامه، والمشتى بالعراق ليسلموا من زمهرير الجبل وكثرة ثلوجه وأمطاره ووحوله وأقذاره وقد كان أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي يفعل ذلك، فقال مفتخراً به في كلمة له طويلة:
إني امرؤ كسروي الفعال ** أصيف الجبال وأشتو العراقا

وألبس للحرب أثوابها ** وأعتنق الدارعين اعتناقا

ولما بلغ عبد الله بن طاهر هذه الأبيات بعد افتتاحه مصر والشأمات قال يرد عليه:
ألم تر أنا جلبنا الجيادا ** إلى أرض بابل قبّاً عتاقا

إلى أن وردن بأدوائها ** قلوب رجال أرادوا النفاقا

وأنت أبا دلف ناعم ** تصيف الجبال وتشتو العراقا

وكانت الفرس تسمي هذا الصقع أيضاً إيرانشهر إضافة إلى إيرج بن أفريدون حين قسم أفريدون الأرض بين ولده الثلاثة فجعل لسلم الروم وما يليهم من الأمم ولطوج الترك وما يليها من الأمم ولإيرج العراق وما يليه من الأمم فأضيف إليه وفي ذلك يقول شاعرهم في الإسلام مفتخراً:
وقسمنا ملكنا في دهرنا ** قسمة اللحم على ظهر الوضم

فجعلنا الشأم والروم إلى ** مغرب الشمس إلى الغطريف سلم

ولطوج جعل الترك له ** فبلاد الترك يحوبها ابن عم

ولإيران جعلنا عنوة ** فارس الملك وفزنا بالنعم

ومنهم من يذهب إلى أن معنى إيرانشهر بلد الخيار لأن إير بالفارسية الأولى اسم جامع للخير والفضل، ومن ذلك قولهم لرئيس بيت النار إير بذاي رئيس الخيار الفاضلين فعرب فقيل هربذ والنبط تذكر أن هذا الإقليم لها ملكته في سالف الدهر وأن ملوكهم النماردة منهم نمرود إبراهيم الخليل، والنمرود سمة لملوكهم وإن الفرس كانت بفارس والماهات وغيرها من بلاد الفهلويين وإن هذا الصقع مضاف إليهم، وإنما هو بلد أريان شهر؛ معنى ذلك بلد السباع لأن السباع تدعي بالنبطية أريان أحدها أريا فشبهوا بالسباع لشدة بأسهم وشجاعتهم وعظم ملكهم وكثرة جنودهم، فلما غلبت الفرس عليهم لما كان بينهم من التحزب والحروب واختلاف إلى الكلمة وتباين الممالك ودامت أيامهم واتصل ملكهم دخلوا في جملتهم وتعززوا بهم وانتسبوا إليهم، ثم جاء الإسلام فمضى على ذلك أكثرهم وأنفوا من النبطية لزوال العز الذي كان فيهم، وانتمى جلهم إلى ملوك الفرس حتى قال بعض المتأخرين في ذلك:
أيا دهر ويحك كم ذا الغلط ** وضيع علا وكريم سقط

وعير يخلد في جنة ** وطرف بلا علف يرتبط

وأهل القرى كلهم يدعون ** بكسرى قباذ فأين النبط

وقد حد كثير من الناس السواد وهو العراق، فقالوا حده مما يلي المغرب وأعلى دجلة من ناحية أنور وهي الموصل القريتان المعروفة إحداهما بالعلث من الجانب الشرقي من دجلة وهي من طسّوج بزر جسابور والأخرى المعروفة بحربي وهي بإزائها في الجانب الغربي من طسوج مسكن، ومن جهة المشرق الجزيرة المتصلة بالبحر الفارسي المعروفة بميان روذان من كورة بهمن أردشير وراء البصرة مما يلي البحر طول ذلك مائة وخمسة وعشرون فرسخاً- والحد الشمالي من عقبة حلوان إلى الموضع المعروف بالعذيب وراء القادسية من جهة الجنوب مسافة ما بين هذين الموضعين وهو عرض السواد ثمانون فرسخاً، يكون ذلك مكسراً عشرة آلاف فرسخ والفرسخ اثني عشر ألف ذراع بالذراع المرسلة يكون بذراع المساحة وهي الذراع الهاشمية تسعة آلاف ذراع وهو مائة وخمسون أشلا يكن ذلك جرباناً اثنين وعشرين ألفاً وخمسمائة جريب هذا إنما هو تكسيراشل فإذا ضرب ذلك في عدد الفراسخ وهو عشرة آلاف فرسخ بلغ مائتي ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف جريب، أسقط أرباب الخراج لمواضع الجبال والآكام والتلول والآجام والسباخ ومدارس الطرق والمحاج ومجاري الأنهار ومواضع المدن والقرى وغير ذلك من المواضع التي لا يتأتى فيه الحرث على التخمين والتقريب الثلث من ذلك وهو خمسة وسبعون ألف ألف جريب فيبقي مائة ألف ألف وخمسون ألف ألف جريب يراح النصف من ذلك ويكون النصف معموراً مع ما في الجميع من النخيل والكروم وسائر الأشجار وما يعمر دائماً من الأرضين، ولم يزل السواد في ملك النبط والفرس مقاسمة إلى أيام قباذ بن فيروز الملك، فإنه فرض على كل جريب درهمين وألزم الناس المساحة وأطلقوا في أملاكهم وكانوا ممنوعين منها إلى وقت القسمة فهلك قبل إتمام ذلك فلما ملك أنوشروان بعده تممه وأخذ الناس به فارتفع أول سنة مائة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم من الدراهم التي وزن الدرهم منها مثقال، وقد كان خسر وأبرويز بن هرمز بن أنوشروان بن قباذ- اجتبى مملكته في سنة ثماني عشرة من ملكه وكان في يده السواد وأرض الأعاجم دون أعمال الغرب وكان حد مملكته إلى هيت وما وراء ذلك من الموصل والجزيرة والشام بيد الروم من الورق أربعمائة ألف ألف وعشرين ألف ألف مثقال يكون ذلك وزن سبعه ستمائة ألف ألف درهم وكثير من هذه النواحي اليوم على ما كانت عليه في ذلك الوقت لم يغز أرضوها ولم يبد ساكنوها وإنما يحتاج أن يكون مع ملاكها ومدبريها تقى الله أولاً ثم دراية ونجدة وعدل وعفة وسياسة حتى تستقيم عليه الأمور وينتظم التدبير ويأتي من الأموال ما يسد به أركان الملك وتعمر به البلاد ويشحن به الثغور ويقمع به العدو إذ كان سلوك طريقة العدل يؤدي إلى طول المدة واتصال أيام الدولة وبالعدل ركب جميع العالم فلا جرم أنه لا يقوم إلا بالحق وهو ميزان الرب في الأرض بين عباده فلذلك حكمته مبرأة من كل ميل وزلل، فمن بخسه بتر عمره وانقضت أيامه، وظلم الرعية، واستجلاب البلية.
وكان السواد يعد في أيام الفرس اثنتي عشرة كورة، تسمي الكورة بلغتهم استان وطساسيجه ستون طسوجا في كل كورة عدة طساسيج وتفسير الطسوج الناحية ثم تغير ذلك على مر الأيام لانخراق دجلة وخروجها عن عمودها، وكان مجراها في جوخي وتغريقها طسوج الثرثور من بلاد كسكر وغيره حتى صارت بطائح إلى هذا الوقت مسيرة أيام وذلك بين واسط والبصرة واسمها في هذا الوقت في ديوان السلطان آجام البريد وأخراب جوخي وكانت أعمر السواد وأهلها المتقدمون على أهله وإضافة كورة حلوان إلى كورة الجبل وكانت تدعى شادفيروز وغير ذلك فصارت كور السواد عشر كور تحوي ثمانية وأربعين طسوجاً ثم آل ذلك إلى نقص وخراب لبثوق انبثقت وجلاء وانتقال وجدب وجور وحيف من الأتراك والديلم الذين غلبوا على هذا الصقع إلى هذا الوقت وهو سنة 345 في خلافة المطيع، وقد وصف بعض أهل المعرفة سكان هذا الصقع الشريف وهو العراق فقال هم هل العقول الصحيحة والشهوات المحمودة والشمائل الموزونة والبراعة في كل صناعة، مع اعتدال الأعضاء واستواء الأخلاط وسمرة الألوان وهي أعدلها وأقصدها، ويستدل على اعتدال مزاج باطن أبدانهم بالذي يرى من السمرة الظاهرة في ألوانهم واعتدال أعضائهم أحسن الناس ألواناً ووجوهاً وأتمهم حلماً وفهماً فهم أهل العلم والخير، وذلك لامتزاج صقعهم من حر الجنوب وبرد الشمال وغلب عليهم المشتوي لامتزاجه من برد فلك زحل وحرارة فلك المريخ فاعتدلوا فاجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار كما اعتدلوا في الجبلة كذلك لطفوا في الفطنة والتمسك بمحاسن الأمور، وكيف لا يكونون كذلك وهم أرباب الوافدين وأصحاب الرافدين من دجلة والفرات، والثمانية والأربعين طسوجاً. قال الفرزدق في هجاء ابن هبيرة:
أأطمعت العراق ورافديه ** فزاريا أحذ يد القميص

وقال بشار بن برد:
الرافدان توافى ماء بحرهما ** إلى الأبلة شرباً غير محظور

وقال آخر هذان الواديان رائدان لأهل العراق لا يكذبان قال المسعودي والصقع الذي مدينة السلام منه أفضل مواضع الأرض جميعاً في الطيب والغذاء، وذلك أن أطيب خيرات الدنيا بعد الأمن والعافية والعز والرئاسة؛ صلاح الماء والهواء، ثم أفضل أنهار العالم دجلة والفرات، وإن نازع في ذلك أهل مصر وفضلوا نيلهم، وأطيب مواضع العالم في كل الأزمنة عند قياس بعضها إلى بعض وقياس بعض البلدان إلى بعض موضع اجتماع دجلة والفرات، وذلك أن بعض المواضع يطيب صيفه ويفسد شتاؤه فساداً يمتنع فيهم من المكاسب المهنية والمطالب الصناعية لشدة برده ودوام سقوط ثلجه، ومنها ما يطيب شتاؤه ويفسد صيفه حتى يشغل الحر والومد والبق والهوام عن تخشين الزي باللباس والتصرف في المهن والصناعات ويعز علينا بما دفعنا إليه من مفارقة هاا المصر الذي به مولدنا وفيه منشؤنا، فنأت الأيام بيننا وبينه وساحقت مسافاتنا عنه فبعدت الدار، وتراخى المزار. ولكنه الزمن الذي من شأنه التشتيت والدهر الذي من شرطه الإفاتة، ولقد أحسن أبو دلف القاسم بن عيسى العجلي حيث يقول في هذا المعنى في كلمة له:
أيا نكبة الدهر التي طوحت بنا ** أيادي سبا في شرقها والمغارب

قفي بالتي نهوى فقد طرت بالتي ** إليها تناهت فاجعات المصائب

وقال آخر:
بلاد بها أنسى وأهلي وجيرتي ** وقد يتناسى الشيء وهو حبيب

ولولا الشوق إلى الوطن والحنين إلى المنشأ لم نذكر ما ذكرناه من هذه المعاني قال بعض الحكماء: إن من علامة وفاء المرء وحسن دوام عهده، حنينه إلى إخوانه وشوقه إلى أوطانه، وإن من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة، وإلى مسقط رأسها تواقة وقال آخر: عمر الله الأبدان، بحب الأوطان. فمن علامة كرم المحتد، الحنين إلى المولد قال المسعودي: وكثير ممن تقدم وتأخر من أهل صناعة النجوم إذا حصلوا أمر بغداد قالوا عرض وسط الإقليم الثالث أي بعده من خط الاستواء ثلاثون درجة واثنتان وثلاثون دقيقة وعرض وسط الإقليم الرابع ست وثلاثون درجة ثم قالوا عرض بغداد ثلاث وثلاثون درجة وتسع دقائق فبغداد إذاً عندهم كأنها قريبة من أن تكون بين وسطي الإقليمين الثالث والرابع والأكثر منهم يرى أنها من الإقليم الرابع على ما ذكرناه، وممن يرى ذلك من تقدم مارينوس ودورثيوس وغيرهما من الفلكيين.
وعرض كل بلد هو بعده عن خط الاستواء وإن شئت قلت ارتفاع القطب عليه إن كان في النصف الشمالي من الأرض فارتفاع القطب الشمالي وإن كان في النصف الجنوبي من الأرض فارتفاع القطب الجنوبي، لأنه كلما تباعدت المدينة عن خط الاستواء درجة ارتفع أحد القطبين درة وانخفض الآخر درجة والطول هو بعد المدينة من المغرب وربما كان بعدها من المشرق ومن المغرب إلى المشرق مائة وثمانون درجة فعرض بغداد ثلاث وثلاثون درجة وطولها سبعون درجة وكذلك عرض دمشق وعرض بغداد واحد وطول دمشق ستون درجة، وكذلك عرض مدينة القيروان من بلاد إفريقية من أرض المغرب، وكذلك أيضاً عرض بيت المقدس وقيسارية وصيدا وصور وأنطاكية ومدينة السيرجان من أرض كرمان ومما عرضه ثلاثون فسطاط مصر والبصرة وشيراز وشينيز وجنابا ومهروبان وتوج من أرض فارس والقندهار من أرض السند، ومما عرضه ست وثلاثون درجة مدينة حلب من جند قنسرين من أرض الشأم ومنبج وبالس والرقة ونصيبين ونهاوند من الماهات وهمذان وطرسوس من الثغر الشأمي وقم والري والموصل وبلد سميساط وجسر منبج ودباوند وقومس ومدينة نيسابور وبخارى وسمرقند وأشرو سنة من بلاد خراسان وكلما في الأقاليم من المدن فعلى خط واحد وإن كان ذلك مختلفاً عند من لا علم له بهذه الأمور لما يرى من اختلاف وضع هذه المدن وبعد المسافات بينها طولاً وعرضاً، والأقاليم كلها مستقيمة كذلك رأيتها في الصورة المأمونية وغيرها وأهوية هذه المواضع تختلف وإن اتفقت فيما ذكرنا من العرض وغيره لآفات وعوارض من ذلك أن يكون بخارات باردة وفي أعماق الأرض فتظهر فتكون سبيل تلك المواضع من الأرض أن ما يتولاها من الكواكب يوجب تأثير الحرارة فيها فيغلب ما ظهر من البرودة منها عليها تدفع فعل الكواكب، كالسروات من أرض التهائم وهي ثلاث سراة منها ما بين تهامة ونجد، أدناها وج وهي الطائف، وأقصاها قرب صنعاء من أرض اليمن والسروات أرض عالية وجبال مشرفة يجب أن تكون حارة لتأثير الكواكب إلا أن ما يظهر من بخار الأرض يغلب على البلد فصار بارداً وكذلك أيضاً دمشق عرضها وعرض بغداد واحد على ما ذكرنا فيما تقدم فيجب أن تكون حارة كحر بغداد؛ إلا أن البرد يغلب عليها لما يظهر من بحار الأرض من البرودة فكان الحكم له، وكذلك قد تكون مواضع من الأرض ما يتولاها من الكواكب يوجب تأثير البرودة فيها فيظهر من قعور الأرض بخارات كثيرة حارة فتدفع ذلك وتصير الحكم لها وتجعل ذلك البلد حاراً ككثير من البلدان الحارة وقد تكون بقاع من الأرض يغلب على ما يظهر منها من البخار البارد تأثيرات الكواكب بالحر فيكون الحكم له ويغلب على ما ظهر منها من البخار الحار تأثيراتها بالبرد فيكون الحكم له ولعلل غير ذلك يطول ذكرها هي موجودة في كتب المتقدمين على الشرح والإيضاح وقد قدمنا فيما سمينا من كتبنا لمعاً من ذلك فأغنى عن إعادته في هذا الكتاب مع اشتراطنا على أنفسنا فيه الاختصار والإيجاز وفي القليل كفاية لمن كان له بالعلم عناية وكل ما كان على رأس قبة الأرض وراءها إلى الشق الشرقي فهو عند أهل الشق الغربي أرفع، لجهات منها أن المشرق لطلوع الكواكب وظهور النهار والمغرب لهبوطها وانخفاضها والثانية أن المشرق ذكر والمغرب أنثى وقسم هذا الكواكب المذكرة وقسم ذلك الكواكب المؤنثة والذكر أبداً أعلى من الأنثى، والثالثة أن حركة الفلك إلى المشرق هي ارتفاعه وحركته إلى المغرب هي انخفاضه والرابعة وهي الوجه العياني والمذهب القياسي أنا نجد بلد فارس أأرفع من العراق والعراق أرفع من الشأم والشأم أرفع من مصر والإسكندرية.
من ذلك أن حساب بغداد مثل محمد بن موسى الخوارزمي ويحيى بن أبي منصور وسند بن علي وأبي معشر وغيرهم وجدوا طول بغداد من المشرق مائة درجة وعشر درجات يريدون من أفق القبة إلى وسط سماء بغداد وذلك يعرف بساعات وسط الكسوف في المواضع المختلفة المتباعدة ووجد أبطلميوس على ما عبر عنه ثاون الإسكندراني طول الإسكندرية من المشرق مائة وتسع وعشرة درجة ونصفاً فإذا طرحنا بعد بغداد من بعدها بقي تسع درجات ونصف فقلنا تطلع الشمس ببغداد قبل الإسكندرية بثلثي ساعة غير ثلثي عشر ساعة، وكذلك تخالف البلاد في العروض من ذلك أن ارتفاع القطب الشمالي عن أفق صنعاء من بلاد اليمن أربع عشرة درجة ونصف وارتفاعه على بغداد ثلاث وثلاثون درجة وكسر، ومن هذا يطول النهار في بلد ويقصر في بلد ومن الدليل على ذلك أن ارتفاع سهيل في وسط سمائه على اليمن ثلاث وعشرون درجة وهو بالعراق على خط الأفق وبخراسان لا يرى ولا تغيب بنات نعش هنالك وتغيب باليمن وأشباه لهذا كثيرة قال المسعودي: وقد كان وزير المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان لما أمر المستعين بنفيه إلى برقة وذلك في سنة 348 فصار إلى الإسكندرية من بلاد مصر رأى حمرة الشمس على علو المنارة التي بها وقت المغيب فقدر أنه يلزمه أن لا يفطر إذ كان صائماً أو تغرب الشمس من جميع أقطار الأرض وذهب عليه من الله عز وجل إنما فرض على كل قوم أن يصوموا إلى أن تغيب الشمس في بلدهم لأن مغيبها يختلف بحسب اختلاف البلدان فيكون مغيبها في بلاد المشرق قبل مغيبها في بلدان المغرب كما كان طلوعها في المشرق قبل طلوعها في المغرب لما قدمناه من أقاويل المنجمين في ذلك، ويجوز أن يكون ذلك لأسباب استأثر الله بغيبها، فأمر عبيد الله إنساناً أن يصعد إلى أعالي منارة الإسكندرية ومعه حجر وأن يتأمل موضع سقوط قرص الشمس فإذا سقطت رمى بالحجر ففعل الرجل ذلك فوصل الحجر إلى قرار الأرض بعد صلاة العشاء الآخرة فجعل إفطاره بعد صلاة العشاء الآخرة فيما بعد إذا صام في مثل ذلك الوقت وكان عند رجوعه إلى سر من رأى لا يفطر إلا بعد العشاء الآخرة وعنده أن هذا فرضه، وأن الوقتين متساويان وهذا غاية ما يكون من قلة العلم بالفرض ومجاري أمر الشرق والغرب وقد ذكر أرسطاطاليس في كتاب الآثار العلوية أن بناحية المشرق الصيفي جبلاً شامخاً جداً وأن من علامة ارتفاعه أن الشمس لا تغيب عنه إلى ثلاث ساعات من الليل وتشرق عليه قبل الصبح بثلاث ساعات ومنارة الإسكندرية إحدى بنيان العالم العجيب، بناها بعض البطلميوسين من ملوك اليونانيين بعد وفاة الإسكندر بن فيلبس الملك، لما كان بينهم وبين ملوك رومية من الحروب في البر والبحر، فجعلوا هذه المنارة مرقباً في أعاليها مرآة عظيمة من نوع الأحجار المشفة يشاهد منها مراكب البحر إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز الأبصار عن إدراكها، فكانوا يراعون ذلك في تلك المرآة فيستعدون لهم قبل مرورهم وطول المنارة في هذا الوقت على التقريب مائتان وثلاثون ذراعاً وكان طولها قديماً نحو أربعمائة ذراع فهدمت على طول الزمان وترادف الزلازل والأمطار لأن بلد الإسكندرية يمطر، وليس سبيلها سبيل فسطاط مصر إذ كان الغالب عليها أن لا تمطر إلا اليسير؛ وسنذكر فيما يرد من هذا الكتاب ما قال الناس في ذلك والسبب في امتناعه وبناؤها ثلاثة أشكال فقريب من النصف وأكثر من الثلث مربع الشكل، بناؤه بأحجار بيض يكون نحواً من مائة ذراع وعشرة أذرع على التقريب، ثم من بعد ذلك مثمن الشكل مبنى بالآجر والجص نحواً من نيف وستين ذراعاً وحواليه فضاء يدور فيه الإنسان، وأعلاها مدور.
وكان أحمد ابن طولون أمير مصر والإسكندرية والشأم رم منه شيئاً وجعل في أعلاه قبة من الخشب ليصعد إليها من داخلها، وهي مبسوطة مؤربة بغير درج وفي جهة الجانب الشرقي من المنارة كتابة برصاص مدفون بقلم يوناني يكون طول كل حرف ذراعاً في عرض شبر ويكون مقدارها على وجه الأرض نحواً من مائة ذراع، وماء البحر قد بلغ أصلها وقد كان تهدم أحد أركانها الغربية مما يلي البحر فبناها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وبينها وبين مدينة الإسكندرية في هذا الوقت نحو ميل، وهي على طرف لسان من الأرض قد ركب ماء البحر جنبيه، مبنية على فم ميناء الإسكندرية وليس بالميناء القديم لأن القديم في المدينة العتيقة لا ترسو فيه المراكب لبعده عن العمران، والميناء هو الموضع الذي ترسو فيه مراكب البحر، وأهل الإسكندرية يخبرون عن أسلافهم أنهم شاهدوا بين المنارة وبين البحر نحواً مما بين المدينة والمنارة في هذا الوقت، فغلب عليه ماء البحر في المدة اليسيرة، وأن ذلك في زيادة قال المسعودي: وتهدم في شهر رمضان سنة 344 نحو من ثلاثين ذراعاً من أعاليها بالزلزة التي كانت ببلاد مصر وكثير من بلاد الشأم والمغرب في ساعة واحدة، على ما رودت به علينا الأخبار المتواترة ونحن بفسطاط مصر، وكانت عظيمة جداً مهولة فظيعة، أقامت نحو نصف ساعة زمانية وذلك النصف من يوم السبت لثماني عشرة ليلة خلت من هذا الشهر، وهو اليوم الخامس من كانون الآخر من شهور السريانيين، واليوم التاسع من ديماه من شهور الفرس، والتاسع أيضاً من طوبه من شهور القبط- وقد دخلنا أكثر المواضع المشهورة بكثرة الزلازل وعظمها مثل بلاد سيراف من ساحل فارس وهي بين جبل وبحر وبلاد الصيمرة من مهرجان قذق وماسبذان من أرض الجبال، وهي في سفح جبل عظيم يقال له كبر ومدينة أنطاكية من جند قنسرين والعواصم، من أرض الشأم وهي في سفح جبل مطل عليها وبلاد قومس وهي كثيرة الزلازل جداً وتغور أعين وتفور في مواضع أخر لعظم ذلك، فالبلد شديد الاختلال. وبين بلاد قومس وبين نيسابور جبل عظيم شامخ طويل كثير المياه والأشجار والثمار والأودية وفيه خلق من العباد يأكلون من تلك الثمار ويأوون إلى كهوف وغيران هنالك يقال لهذا الجبل جبل مورجان، ومورجان قرية بقرب هذا الجبل والجبل بين هذه القرية وبين قرية من أعمال نيسابور تعرف بهفدرة تفسير ذلك سبعة أبواب، وذلك أول عمل خراسان لأن قومس عمل مفرد بين الري وخراسان ومدنها بسطام وسمنان والدامغان، ولها جبل آخر عظيم بينها وبين طبرستان يقال له قارن، ومدينة آمل ويطل عليها الجبل العظيم المعروف بدباوند ويقال إنه أعلى جبال العالم وكثير من مدن طبرستان وغير ذلك من البلاد- فلم أر أعظم أمراً من هذه الزلزلة ولا أطول مكثاً، وذلك أني تبينت تحت الأرض كالشيء العظيم يحاكّها ماراً تحتها وهازاً ومحركاً لها، كأنه أعظم منها وكأنها كالنائية عنه، ومع دوي عظيم في الجو وكانت السلامة بحمد الله شاملة للناس، والتهدم قليل وقد كان خسف بضياع كثيرة وقرى وعمائر واسعة من بلاد كش، ونسف مما يلي سمرقند من أرض خراسان، بزلازل تواترت كان مبدؤها من نحو بلاد الصين إلى أن اتصلت ببلاد فرغانة، وهذه البلاد هلك فيها خلق كثير من الناس فمنها ما صار موضعها آجاماً ومياهاً سوداً منتنه؛ ومنها ما صارت كالرماد لانقلابها في سفوح جبال شاهقة منيعة، وذلك مشهور ببلاد خراسان وغيرها، وقد ذكرنا ما قاله الناس من الشريعيين وغيرهم في الزلازل وحدوثها والهدات والخسوف وكونها فيما تقدم من كتبنا فإذ قد ذكرنا الأقاليم السبعة، وما قيل في أطوالها وعروضها، ووصفنا الإقليم الرافع وفضله على سائرها وما اتصل بذلك؛ فلنذكر البحار وكمية أعدادها ومقادير مسافاتها وغير ذلك من الأخبار عنها.